بالنّظر إلى ما قدّمه الشاعر الأردنيّ أمين الربيع في ديوانيه «قوارير» و"كن» من استعارات تصوريّة، سنجد أنَّ الشاعرَ قدّمَ مصائب الحب في ديوانيه، وهي صورة تمتدُّ من بداية كلّ من الديوانين إلى نهايته. هذه التراكيب التصوريّة صاغت حالة المرأة الموجودة في الإدراك الجمعي، تتمثل بدءاً من العنوان (قوارير)، وهي من الألفاظ التي خُصّت بها المرأة في الثقافة الإسلامية، وهي من الاستعارات المستخدمة والموجودة في حياتنا، وتعني بأنّ المرأة كائن هشّ -يمكن كسره كالقوارير الزجاجيّة- ويجب الحذر في التعامل معه، وخاصّة في الأمور ال?اطفيّة.
إذا أردنا أن نلمس مدى تجلّي الاستعارة الأنطولوجيّة في الديوانين، التي تهتم بتخصيص الشيء الفيزيائي كما لو كان شخصا، سنجد أن الشاعر جعل كلا من الحب والبُعد شخصا، في استعارات أنطولوجيّة تشخيصيّة، فقدّمَ في ديوانه صورا حركيّة تنبض بالحياة، تمتلئ بالتجسيد والتكثيف المشهدي، ومنها قوله في قصيدة «الحبُّ مرَّ»:
«الحبُّ مرَّ على الحديقة باكراً،
كالغيم مرَّ الحبُّ
مرتدياً مشاغلنا،
بدا كالضّيْق من يومٍ شديد الحرِّ،
لم نلحظ توتُّرَنا
ولا عبَثَ الستائر مع فراغِ الرِّيح».
إنَّ الالتفات إلى مرور الحب، بهذه الصورة الأنطولوجيّة التشخيصيّة، يدلُّ على بعده عنه، وحضوره لم يكن اعتياديا، إنما حمل معه الذكريات القديمة، والمشاغل التي ستؤرق الشاعر وتسبب له التوتر والقلق. ولا يكتفي الشاعر عند هذا الحد، إنما ينتقل إلى تحسس آثار الزمن على جسد الحب، وكيف تظهر عليه جليةً، والتي تشكلّ جزءاً من إيمانه، فيقول في قصيدة «عُذريون»:
«آمنت أنَّ الحبَّ يختلفُ
خضْنا وهم في شطّه وقفوا!».
وينتقل الشاعر إلى حديث الحبّ وإفشائه للأسرار، فيأمر محبوبته بأن لا تفضي إليه أي سرّ لأنه لا يؤتمن على أي سرّ، فهو يفضي بها إلى الفراشات، والتي ستكون منتشرة كالضوء على الأسطح، فيقول في قصيدة «هو الحب»:
«هو الحبُّ
يُفشي لكلّ الفراش أمانيكَ
فاسترْ سراجكَ
إن كنتَ تخشى بريق العيون».
ولم يكتفِ الشاعر بالوقوف عند هذا الحد من الاستعارة الأنطولوجيّة التشخيصيّة، إنما انتقل إلى الاستعارة أنطولوجيّة الكيان والمادّة، فالشاعر عاملَ الحب على أنّه كيان ماديّ، فبدأ بالشرب معه ومحاورته والشكوى إليه، فيقول في قصيدة «نخب متأخر مع الحب»:
«وحدَكَ الآن مع الحبِّ
ستكفي
نَهمَ الطيرِ وأنيابَ المنافي،
فاسكُبِ النّخبَ
وشارِكْ وحدةَ الحبِّ وجودَكَ!».
ولم يكتفِ الأمر عند هذا الحد في استعارة صورة الحب وتشخيصها، إنّما استخدم القلب الذي هو موطن الحبّ وقراره، فاتخذ القلب مكانة تشخيصيّة، فبدأ ينظم حياة الشاعر العاطفيّة، بل ويرتب تفاعلاته مع الواقع والمرأة، وتجلى هذا الاستخدام الأنطولوجيّ التشخيصيّ في قصيدة «السرّ» (من ديوان «كن»)، فيقول الشاعر:
«قلبي يرتب نبضَهُ والشَّكَ في ضوضائِهِ
فغريبةٌ آمالُه من مبتدى أهوائِهِ
يصغي لهمس الكون مشغولاً بحال فنائِهِ
ويميلُ للأحياء منحازاً لحلمْ بقائه».
عندما يعطي الشاعر القلبَ بُعداً استعاريّا أنطولوجيّا تشخيصيّا، فإننا نبدأ نلمس ما للقب من حركات وتغييرات في حياتنا، فهو الذي ينظم الدفقات الشعوريّة، وهو المسؤول عن الأمل وطريقة الخروج من الصعاب، فهو إذن حالة ماديّة يمكن لمسها ولمس آثارها على الحياة.
والحقيقة، ليس موضوع الحبّ وما يتصل به من تبعات هو السمة الاستعاريّة التشخيصيّة الغالبة على الديوانين، فقد ظهرت سمة الحزن التشخيصيّة والتي لا تتوقف عند البعد الفيزيائي، إنما تنتقل إلى البعد التجسيدي المحض القابل للتطور وللولادة المستمّرة.
كتب الشاعر أمين الربيع قصيدة مطولة تتألف من أربعين مقطعا، معنونة بـ «أحزان دائمة الخضرةط، وهي من القصائد المضمنة في ديوان «كن»، والتي أخذت فيها الأحزان بعداً استعاريّا تشخيصيّا، فيقول الشاعر عن الحزن في المقطع الخامس:
«تحتلُّني عندَ الكِتابة
ألفُ خاطرةِ اندهاشْ
ويحزُّني بعدَ الكتابةِ
ألفُ إحساس انكماش!
تمحو الحروفُ هنا الحروفَ،
ويحكمُ الكونَ الغَباشْ».
فلمّا كان الخيال ركيزة أساسيّة لبناء الاستعارة التصوريّة، كان على الشاعر أن يستمدَّ صوره التشخيصيّة من واقعه وبيئته وتجاربه وشخصيّته المرهفة، فأعطى الحبَّ عقلا وأعضاء يتحرك بها، فقدّمَ على إثرها مشهدا تشخيصيّا، فجعل المطلبَ منها يتمثل في الدخول إلى عمق العلاقات بين الحب والبعد، لكشف ما توارى عن الجمهور من قدرة الحب في السيطرة على أفكار الإنسان وتصرفاته، وتوجيهه نحو ما يريد
وفي إشارة إلى استعارات الوعاء في ديوانيه والتي تعامل التصورات والمفاهيم المجرّدة على أنّها أوعية تمتلك مساحات واضحة ومحدودة واتجاهات فضائية داخل الحدود وخارجها، سنجد أنها تجسّد صورة الترقب، في قصيدته «أراقب جدي» (ديوان «كن»)، فيقول الشاعر:
«إنَّ الأوان سيأتي سريعاً، إنَّ الزمانَ
يدورُ يدورُ كسير الرّحاةِ
ويسبل جفنين ملؤها الحمد
ملؤها رفرفاتُ الحمام!».
وإذا أردنا تسليط الضوء على الاستعارة الاتجاهيّة في الديوانَين، والتي تهتم بالاتجاهات الفضائيّة (مثل: فوق تحت.. إلخ)، والتي تتكون وفق تفاعل الجسد ومحيطه الخارجيّ، فيخرج عن ذلك مجموعة من المفاهيم التي تعبّر عن هذا التفاعل. وفي سياق حديثنا عن الحب في الاستعارة التشخيصيّة، لن تخرجَ عن سابقتها في الاستعارة الاتجاهيّة، فهي استعارة تصوريّة، استخدمها الشاعر في ديوانه، فلو تتبعنا لفظة «الحب» ودلالتها مع المكان والتوجه، سنجد أنَّ الشاعر استخدمها بشكل جليّ في قصيدته «قليل هو الحب» (من ديوان «قوارير»): «بسيط هو الحب» ?«بعيد هو الحب» و«قريب هو الحب» و«قليل هو الحب».
العبارات السابقة تستند إلى مرتكزات فيزيائية، وهي: كلما كان الحب بسيطا كانت السعاة أكبر، وكلما كان الحب قريبا كانت السعادة أعلى، وفي قلّة الحب تكثرُ مشاعر الكره. وهنا ليس الحبّ الشعور باتساعه أو تحجّمه، إنما بتمثله باستعارات الفضاء الكوني، فقربه يمكن أن يلاحَظ في الفضاء، وكذلك بعده وحجمه، وبقدر ما هو ملاحَظ في العيان بقدر ما نستخدمها في استعارات المجتمع وفي حياتنا اليوميّة. ببساطة الحب وبعده وقربه وقلته وكثرته، فإنّه يمثل استعارة اتجاهيّة نستخدمها لأمور ملموسة في الواقع، والحب هو شيء شعوري، فعندما نستخدمه و?ق تصورات الفضاء الذي نعيش به، نصبح أكثر دقة واتصالا بواقعنا، وبقدر ما يدل على صدق تجربتنا.
وفي نظرة موسّعة لما قدمه الشاعر في ديوانه «كن»، سنجد أن الاستعارة الاتجاهيّة تأخذ حيّزا أكبر ونظرة أشمل، ليس على صعيد الحب وخلجات النّفس، إنما على الحزن، فيقول الشاعر في قصيدته «أصداء من التيه»:
«لستُ أدري يا صديقهْ
تجهَلُ الأقدامُ أسرارَ الطريقةْ!
تنعقُ الأحزان فوقي،
تصطفيني
لطيوفٍ في الدُّجى تبقى مُفيقةْ».
وتتوسع الصورة عندما يصبح الشاعر تائها، يبحث عن خلاص لصورة الموت البدائيّة، كما في قصيدة «طقسٌ أوّل لموتِ المتيّقن»، فيقول الشاعر:
«هل أنا نائم؟
ربّما لم أزل..
في دُوار الجوابْ
وسطَ أُحجيةِ من ضباب».
يعبّر الشاعر عن تيّقن الموت بأسلوب قادر على لفت الانتباه والتسامي، إلى دوران الدنيا، وعدم وضوح الرؤيا، وهي هنا صورة شكليّة -معنوية-، فالمتخيّل هنا من دوُار في التصور الذهني هو حالة اللاوعي التي تصيب الإنسان في سكرات الموت، وهنا ضمّها الشاعر للبحث عن تفسير الحالة التي تصيب الإنسان، فلا هو قادر على الكلام، ولا تسمح له الأقدار بالتعبير، فوظفها باستعارة اتجاهيّة تمثل مشهداً من مشاهد الموت وضمنها لصورة اللاوعي، فكلما كانت الصورة غير واضحة -صورة الدنيا- أمام الشاعر كان تيقُّن الموت والخلاص.
وإذا أردنا أن نسلّطَ الضوء على أثر الاستعارات البنيويّة التي تقوم على نسق داخل التجربة الإنسانيّة، تسمح هذه الاستعارات بإقامة تصور لما هو الجدال العقليّ بالاستعانة بشيء نفهمه بسهولة أكبر، وهو الصراع. لذا؛ فإنَّ تشكل هذا الصراع قد لا يكون بين أجناس متكافئة أو متشابهة بقدر ما يكون تمثلا لحقيقة الصراع وتجسدها، ونقلها من الجانب الصوري الذهني إلى الجانب المادّي الملموس، فقد استخدم الشاعر استعارة الحب، وأعطاها الطابع التشخيصي، فأقامت صراعا مع محيطها الذي وُظفت فيه، فهي السبب الأول في إفشاء الأسرار، وهي في الوقت ?فسه تخلق الصراع، فيقول الشاعر في قصيدة «هو الحب» (ديوان «قوارير"):
«وقالت شُجيرةُ رَمْثٍ بقربي:
هو الحبُّ
يفشي لكلّ الفراشِ أمانيكَ،
فاستر سراجَكَ
إنْ كنتَ تخشى بريقَ العيونْ!».
وفي صراع من شكل آخر، نجد الشاعر يقيم صراعا للحقيقة، مع الخيال، فكلّ منهما يحاول أن يثبت ذاته في نفس الشاعر، ويقلّب أفكاره حتى يتمسّكَ بأيّ منهما، إلا أن الشاعر توجّه بكلّ ما فيه إلى الخيال، لينقُض ما قدمته الحقيقة، فيقول الشاعر في قصيدة «تقلبات باردة جداً» (ديوان «كن»):
«ماذا تضيف لنا الحقيقة؟!
يا خيالُ تعالَ وازرعني بعيداً،
لعبةٌ هذي الحقيقةُ، جوفُها لُغةٌ وقِشرَتُها رقيقةْ!
وأنا صدى ظنّي، أُحبُّ تمنُّعَ اللغة البعيدةْ..
وشعورَ إنهاءِ القصيدةْ..
فلتنتهِ الآنَ القصيدةْ!».
يقيم الشاعر المعنى في الاستعارة البنيويّة على الإخلال بنظام الترابط التراكيبي الموجود داخل الحقيقة والخيال، فهما ذهنيان، فهو فصل الحقيقة عن حقيقتها الذهنيّة البحتة المجرّدة وألبسها لباساً ماديّا بناءً على علميّة تصوريّة مغايرة، تشكل فيها الحقيقة الفاعل الأساسي، والناتج عنها أيضا مادّي، متجسد في استعارة تصوريّة ذهنيّة، وهذه الاستعارة عجز عن توصيلها المعنى الظاهر، إنما ضمنها الشاعر بحمولتها الدلاليّة حتى يعطي القصيدة بعداً جماليّا تعبيريّا، وحتى يغوص المعنى في ذهن المتلقي لهذه القصيدة.
إنَّ ما قدمته الاستعارات التصوريّة في الشعر، يكمن في إقامة العلاقات الذهنية التصوريّة التي تمثل السمات العامّة غير الملموسة، وتجسيدها أو تشخيصها في صورة مادّيّة ملموسة إلى تعميق المعاني واشتغالها بطريقة بديعة، تهدف في ذلك إلى إيصال الأفكار وترابطها بشكل يسمح للإبداع الشعري أن يأخذ نصيبه منها.